
سور الصين الأخضر العظيم وتجربة مكافحة التصحر
اطلبوا العلم ولو في الصين، عبارة مشهورة في الثقافة الإسلامية، تحمل في طياتها رسالة سامية تدعو إلى السعي وراء العلم والمعرفة مهما بَعُدَت المسافة أو عظُمت الصعوبة. وفي الصين، إلى جانب معلمها الأثري الأشهر سور الصين العظيم، تنشئ الدولة اليوم مشروعًا لا يقل عظمة، أُطلق عليه السور الأخضر العظيم. وهو مشروع تشجير ضخم يهدف إلى زراعة الأشجار والنباتات البرية لمكافحة التصحر وصد زحف الرمال القادمة من صحارى الجنوب نحو المناطق الزراعية. انطلق المشروع عام 1978 تحت اسم برنامج الغابات الشمالية الثلاثية ويستمر حتى عام 2050 ، ويقوم على إنشاء أحزمة خضراء تمتد عبر 13 مقاطعة في شمال الصين، تغطي مساحات شاسعة. وتضم هذه الأحزمة أنواعًا متعددة من الأشجار والنباتات المحلية والمستوردة، المختارة بعناية لتحمّل الحرارة واحتياجها القليل للمياه، لتكون حاجزًا طبيعيًا أمام الرمال والعواصف. وقد حقق المشروع نجاحًا ملحوظًا في وقف توسع صحراء جوبي، وتحسين جودة الهواء، وزيادة المساحات الخضراء في المناطق المتضررة. كما ساهم في استعادة مساحات واسعة من الأراضي المتدهورة، والحد من تأثير العواصف الرملية. ومع ذلك، ما زال يواجه تحديات كبرى، أبرزها نقص المياه والظروف المناخية القاسية، الأمر الذي يتطلب استمرار الدعم والموارد لتحقيق أهدافه. ومن الطرق الحديثة التي اعتمدتها الصين في مواجهة التصحر، تركيب مزارع الطاقة الشمسية في المناطق الصحراوية بشكل متزايد، كجزء من الجهود البيئية المتكاملة. هذه المزارع لا تساهم فقط في تعزيز قدرة الطاقة المتجددة، بل تساعد أيضًا على استقرار المناظر الطبيعية، حيث يقلل الظل الذي توفره الألواح الشمسية من الأثر القاسي للشمس على التربة، مما يهيئ ظروفًا أكثر ملاءمة لنمو النباتات، ويساعد على الحد من تآكل التربة. كما وُثِّق أن الألواح الشمسية تُخفض سرعة الرياح على مستوى الأرض، مما يحد من حركة الكثبان الرملية—كما هو الحال في بعض مناطق الكويت مثل طرق الوفرة—وفي حالات كثيرة بدأ العشب الطبيعي بالنمو تحت الألواح، مما ساهم في تثبيت التربة ودعم النظام البيئي المحلي. ولترسيخ الرمال والسماح للشتلات بالنمو، تم تركيب شبكات تظليل صناعية تُنصب على شكل مربعات لاحتجاز الرمال، وتوفير بيئة مناسبة تساعد الشتلات على التكيف والنمو بشكل أفضل. وفي تقرير صادر عن الحكومة الصينية، وبعد 46 عامًا من العمل المتواصل، تم الانتهاء من الحزام الأخضر الذي يبلغ طوله 3000 كيلومتر، وزُرع ما لا يقل عن 30 مليون هكتار ( 10,000 متر مربع ) من الأشجار، الأمر الذي أدى إلى انخفاض ملحوظ في شدة العواصف الترابية، خاصة في أماكن مثل بكين، وساعدت هذه الغابات على تثبيت التربة وتخفيف حدة العواصف الرملية. ولا يقتصر أثر المشروع على الجوانب البيئية فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين سبل العيش للسكان المحليين، وتوفير فرص اقتصادية جديدة في المناطق التي طالتها يد التصحر. وهو جزء من جهود الصين الأوسع لمكافحة تغير المناخ والحد من التدهور البيئي. وفي الكويت، ظهرت مبادرات من متبرعين لإحياء الصحراء والحفاظ على البيئة، وهذه الجهود تستحق الدعم والتشجيع عبر توفير التمويل اللازم، إلى جانب الاستفادة من التجربة الصينية من خلال الاطلاع الميداني على مشروع الحزام الأخضر هناك، لنقل خبراتهم وتطبيقها بما يناسب البيئة المحلية.